Search engine for discovering works of Art, research articles, and books related to Art and Culture
ShareThis
Javascript must be enabled to continue!

الثنائيات المتقابلة بين لفظتي العسر واليسر في القرآن الكريم قراءة سيميائية في البنية النصية

View through CrossRef
المستخلص: تنبثقُ هذه الدراسةُ من أعماقِ النسيجِ البيانيِّ للقرآنِ الكريمِ، لِتُلقي الضوءَ على ثنائيةِ العُسْرِ واليُسْرِ كَمِحْوَرٍ دلاليٍّ تُختزَلُ فيه حكمةُ التشريعِ وسُنَنُ الكونِ، عبرَ قراءةٍ سيميائيةٍ تَغوصُ في تفاصيلِ البنيةِ النصيةِ بوصفِها نِظامًا علاماتيًّا يَستندُ إلى تَفاعُلِ الأضدادِ لِصياغةِ رؤيةٍ وجوديةٍ مُتوازنةٍ. فالسيميائيةُ، بمنهجيتها التحليليةِ التي تَربطُ بينَ الدالِّ والمَدلولِ، تُقدِّمُ مِفتاحًا لفكِّ شِفرةِ التضادِّ الظاهريِّ بينَ العُسْرِ واليُسْرِ، لِتكشِفَ أنَّهما ليسا نقيضَيْنِ مُنفصلَيْنِ، بل وَجهانِ لِحقيقةٍ واحدةٍ تُجسِّدُ سُنَّةَ اللهِ في الخَلقِ: التكاملَ بينَ التحديِ والتيسيرِ، والابتلاءِ والفرجِ. ففي الإطارِ النظريِّ، تَستندُ الثنائياتُ المتقابلةُ إلى فلسفةٍ لغويةٍ تُولِّدُ المعنى عبرَ الانزياحِ الدلاليِّ، حيثُ يَكتسبُ "العُسْرُ" معناهُ مِنْ مُقابلتِه لـ"اليُسْرِ"، كالليلِ الذي يُعرِّفُ النهارَ. وهنا يَبرُزُ الجذرُ اللغويُّ لِلَفْظَتَيْ (ع س ر) و(ي س ر) كَمِحْوَرٍ تُدَورُ حولَهُ الدلالاتُ: فالأولى تَحملُ في طياتِها معاني الشدةِ والضيقِ، والثانيةُ تَنفتحُ على السهولةِ والانفراجِ، لِيَصيرا مِثالًا حيًّا على عبقريةِ اللغةِ العربيةِ في التعبيرِ عن الثنائياتِ المُتضادةِ المُتكاملةِ. وتَكمُنُ عبقريةُ القرآنِ في تَشكيلِ أنماطِ التقابلِ بينَ الثنائيةِ: فمرةً يَظهرُ التضادُّ صريحًا في آيةٍ واحدةٍ كالجمرِ المُتوهجِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(سورة البقرة :185)، ومرةً يُلمَّحُ إليهِ عبرَ سياقٍ يُستدعَى فيهِ ضِمْنًا، كقولهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (سورة القمر:17)، حيثُ يُعلنُ تيسيرَ القرآنِ نافيًا عنهُ صعوبةَ العُسْرِ دونَ ذِكرِها. وهذهِ الأنماطُ لا تَقتصرُ على البنيةِ السطحيةِ، بل تَنفُذُ إلى عُمقِ العلاقاتِ السيميائيةِ التي تَربطُ بينَ العلاماتِ: فالتضادُّ يَكشِفُ عن ثنائيةِ الرحمةِ والعدلِ، والتلازمُ يُجسِّدُ حتميةَ اقترانِ اليُسْرِ بالعُسْرِ كظلٍّ وَاقفٍ وراءَ كلِّ شِدَّةٍ، والتكرارُ يُؤكِّدُ على اليقينِ بسنَّةِ اللهِ التي لا تَتبدَّلُ. ولِكشفِ أسرارِ هذهِ الثنائيةِ، تَغوصُ الدراسةُ في البنيةِ النصيةِ للآياتِ: فالتشكيلُ الصوتيُّ يَلعبُ دورًا محوريًّا، حيثُ تَنفرِجُ حروفُ "اليُسْرِ" (ي-س-ر) بانسيابيةٍ تُعبِّرُ عن السهولةِ، بينما تَتعانَقُ حروفُ "العُسْرِ" (ع-س-ر) بِصَوتٍ حَلقيٍّ يَحمِلُ وَقعَ المشقةِ، لِيَخلُقَا تَناغُمًا غَرِيبًا يُوحِي بالتوازنِ. أمَّا الصيغُ الصرفيةُ المُتنوعةُ (عُسْرَةٌ، مَيْسَرَةٌ، يُسِّرَ) فَتَكشِفُ عن مرونةِ اللغةِ في التعبيرِ عن تعددِ تجلياتِ الثنائيةِ، في حينِ أنَّ حروفَ الجرِّ (مَعَ، بَعْدَ) تَحمِلُ دلالاتٍ زمنيةً تُحوِّلُ اليُسْرَ مِنْ حَدَثٍ عابرٍ إلى سُنَّةٍ إلهيةٍ تَصحبُ الإنسانَ في رحلتِه. وفي الإطارِ التطبيقيِّ، تَبرُزُ الانزياحاتُ الدلاليةُ كَعُنصرٍ جوهريٍّ: ففي آيةِ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، يَتحوَّلُ معنى "النظرةِ" مِنَ الرؤيةِ البصريةِ إلى الانتظارِ الزمنيِّ، لِيُصبحَ التأجيلُ سُترةً مِنْ رحمةِ اللهِ. وفي سورةِ الشرحِ، يُؤكِّدُ التكرارُ الإيقاعيُّ لـ"يُسْرًا" على حتميةِ تَعاقُبِ الفرجِ بعدَ الشدةِ، مُشكِّلًا نَغمةً موسيقيةً تَحمِلُ بُشرى لِلقَلْبِ قبلَ العقلِ
Title: الثنائيات المتقابلة بين لفظتي العسر واليسر في القرآن الكريم قراءة سيميائية في البنية النصية
Description:
المستخلص: تنبثقُ هذه الدراسةُ من أعماقِ النسيجِ البيانيِّ للقرآنِ الكريمِ، لِتُلقي الضوءَ على ثنائيةِ العُسْرِ واليُسْرِ كَمِحْوَرٍ دلاليٍّ تُختزَلُ فيه حكمةُ التشريعِ وسُنَنُ الكونِ، عبرَ قراءةٍ سيميائيةٍ تَغوصُ في تفاصيلِ البنيةِ النصيةِ بوصفِها نِظامًا علاماتيًّا يَستندُ إلى تَفاعُلِ الأضدادِ لِصياغةِ رؤيةٍ وجوديةٍ مُتوازنةٍ.
فالسيميائيةُ، بمنهجيتها التحليليةِ التي تَربطُ بينَ الدالِّ والمَدلولِ، تُقدِّمُ مِفتاحًا لفكِّ شِفرةِ التضادِّ الظاهريِّ بينَ العُسْرِ واليُسْرِ، لِتكشِفَ أنَّهما ليسا نقيضَيْنِ مُنفصلَيْنِ، بل وَجهانِ لِحقيقةٍ واحدةٍ تُجسِّدُ سُنَّةَ اللهِ في الخَلقِ: التكاملَ بينَ التحديِ والتيسيرِ، والابتلاءِ والفرجِ.
ففي الإطارِ النظريِّ، تَستندُ الثنائياتُ المتقابلةُ إلى فلسفةٍ لغويةٍ تُولِّدُ المعنى عبرَ الانزياحِ الدلاليِّ، حيثُ يَكتسبُ "العُسْرُ" معناهُ مِنْ مُقابلتِه لـ"اليُسْرِ"، كالليلِ الذي يُعرِّفُ النهارَ.
وهنا يَبرُزُ الجذرُ اللغويُّ لِلَفْظَتَيْ (ع س ر) و(ي س ر) كَمِحْوَرٍ تُدَورُ حولَهُ الدلالاتُ: فالأولى تَحملُ في طياتِها معاني الشدةِ والضيقِ، والثانيةُ تَنفتحُ على السهولةِ والانفراجِ، لِيَصيرا مِثالًا حيًّا على عبقريةِ اللغةِ العربيةِ في التعبيرِ عن الثنائياتِ المُتضادةِ المُتكاملةِ.
وتَكمُنُ عبقريةُ القرآنِ في تَشكيلِ أنماطِ التقابلِ بينَ الثنائيةِ: فمرةً يَظهرُ التضادُّ صريحًا في آيةٍ واحدةٍ كالجمرِ المُتوهجِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(سورة البقرة :185)، ومرةً يُلمَّحُ إليهِ عبرَ سياقٍ يُستدعَى فيهِ ضِمْنًا، كقولهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (سورة القمر:17)، حيثُ يُعلنُ تيسيرَ القرآنِ نافيًا عنهُ صعوبةَ العُسْرِ دونَ ذِكرِها.
وهذهِ الأنماطُ لا تَقتصرُ على البنيةِ السطحيةِ، بل تَنفُذُ إلى عُمقِ العلاقاتِ السيميائيةِ التي تَربطُ بينَ العلاماتِ: فالتضادُّ يَكشِفُ عن ثنائيةِ الرحمةِ والعدلِ، والتلازمُ يُجسِّدُ حتميةَ اقترانِ اليُسْرِ بالعُسْرِ كظلٍّ وَاقفٍ وراءَ كلِّ شِدَّةٍ، والتكرارُ يُؤكِّدُ على اليقينِ بسنَّةِ اللهِ التي لا تَتبدَّلُ.
ولِكشفِ أسرارِ هذهِ الثنائيةِ، تَغوصُ الدراسةُ في البنيةِ النصيةِ للآياتِ: فالتشكيلُ الصوتيُّ يَلعبُ دورًا محوريًّا، حيثُ تَنفرِجُ حروفُ "اليُسْرِ" (ي-س-ر) بانسيابيةٍ تُعبِّرُ عن السهولةِ، بينما تَتعانَقُ حروفُ "العُسْرِ" (ع-س-ر) بِصَوتٍ حَلقيٍّ يَحمِلُ وَقعَ المشقةِ، لِيَخلُقَا تَناغُمًا غَرِيبًا يُوحِي بالتوازنِ.
أمَّا الصيغُ الصرفيةُ المُتنوعةُ (عُسْرَةٌ، مَيْسَرَةٌ، يُسِّرَ) فَتَكشِفُ عن مرونةِ اللغةِ في التعبيرِ عن تعددِ تجلياتِ الثنائيةِ، في حينِ أنَّ حروفَ الجرِّ (مَعَ، بَعْدَ) تَحمِلُ دلالاتٍ زمنيةً تُحوِّلُ اليُسْرَ مِنْ حَدَثٍ عابرٍ إلى سُنَّةٍ إلهيةٍ تَصحبُ الإنسانَ في رحلتِه.
وفي الإطارِ التطبيقيِّ، تَبرُزُ الانزياحاتُ الدلاليةُ كَعُنصرٍ جوهريٍّ: ففي آيةِ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، يَتحوَّلُ معنى "النظرةِ" مِنَ الرؤيةِ البصريةِ إلى الانتظارِ الزمنيِّ، لِيُصبحَ التأجيلُ سُترةً مِنْ رحمةِ اللهِ.
وفي سورةِ الشرحِ، يُؤكِّدُ التكرارُ الإيقاعيُّ لـ"يُسْرًا" على حتميةِ تَعاقُبِ الفرجِ بعدَ الشدةِ، مُشكِّلًا نَغمةً موسيقيةً تَحمِلُ بُشرى لِلقَلْبِ قبلَ العقلِ.

Related Results

مساهمات الشيخ محمد سعيد في ترجمة القرآن الكريم: دراسة تمهيدية
مساهمات الشيخ محمد سعيد في ترجمة القرآن الكريم: دراسة تمهيدية
إن القرآن الكريم كتاب ألهي عظيم الذي أنزل الله على نبيه المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وبارك وسلم. لقد مضى تنزيل القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربع مائة سنين من خلال ب...
الظواهر الطبيعية بين العلم والدين
الظواهر الطبيعية بين العلم والدين
ظهرت مع مطلع القرن العشرين بوادر نهضة فكرية اجتماعية في العالم الإسلامي تزامنت مع الاتصال بالحضارة الغربية، وأعيد السؤال حول العلاقة بين الدين والعلم، هل هي علاقة صراع أم تكامل، وب...
دراسة مقارنة بين الزمخشري وابن عطية في التفسير سورة غافر أنموذجا (لغوية)
دراسة مقارنة بين الزمخشري وابن عطية في التفسير سورة غافر أنموذجا (لغوية)
إنّ علم اللغة العربية هو علم مهم لتفسير القرآن الكريم وأيضاً على المفسّر أن يكون لديه معرفة بلغة القرآن الكريم وقواعده. وإلا فإن نقص هذه الصفة قد يؤدي به إلى الأخطاء الجسيمة في الت...
كلمة التحرير/editorial
كلمة التحرير/editorial
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وأصلي وأسلم على صفوة خلقه ورسوله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين. وبعد؛ فقد وصل إلى مجلتنا أوراق كبيرة للنشر فيها، وكان ج...
نظرية التطوّر قراءة من منظور قرآني
نظرية التطوّر قراءة من منظور قرآني
البحث تناول موضوعاً شغل فكر علماء الإسلام بخصوص في القرن العشرين من الميلاد، وهو كون نظرية التطوّر الداروينية تتنافى مع النصوص الدينية وبخاصة القرآن الكريم أم لا تتنافى؟ وفي هذا ال...
ضوابط الوقوف في القرآن الكريم
ضوابط الوقوف في القرآن الكريم
هدف البحث إلى العناية بعلم مهم يتعلق بالقرآن الكريم وفهم معانيه، وهو علم وقوف القرآن الكريم، لأنَّ هذا العلمَ لم يلقَ العنايةَ الكافيةَ من قبل الباحثين. وتكمن مشكلة البحث في أنّ ال...
الشيخ عبدالرؤوف مخلص ومنهجه في مباحث علوم القرآن
الشيخ عبدالرؤوف مخلص ومنهجه في مباحث علوم القرآن
ملخص البحث هذا البحث يركز على منهج الشيخ عبدالرؤوف مخلص في مباحث علوم القرآن الكريم، و يهدف هذا إلى التعريف عن الشيخ عبدالرؤوف مخلص، ويتناول أهم المباحث التي تناولها في علوم ...

Back to Top