Javascript must be enabled to continue!
معيارية العربية معيار الهوية
View through CrossRef
تتفق الدراسات الحديثة المتعلقة باللغة على اختلاف أنساقها المعرفية؛ اللسانية والإثنية والأنثروبولوجية والثقافية، على أن اللغة الإنسانية ليست كائناً فارغاً، وليست أداةً محايدة أو قوالبَ مصمتةً خاليةً من أي مواقف خاصة، بل هي مظهر من مظاهرِ الوعي تَجَسَّدَ لغةً؛ فإذا كانت الوظيفتان الأساسيتان لِلّغة هما التمثيل والتواصل فإن التحيّزات تسري فيهما معاً، فلا يستقيم تمثيل العالم من دون موقفٍ منه، أو وجهة نظر، أو زاوية رؤية، وهذه كلها بوابات مُشرعة للهويّات _ على أساس أن جوهر الهوية وجودُ موقفٍ متميّز من العالم. يُضاف إلى ذلك أن التواصل مع الآخرين سيستعمل أداة التمثيل نفسها: اللغة، وبكلام آخر: “إذا اختُزِل استعمال الناس للغة _بطريقة تحليلية_ في كيفية تشكيل المعنى وتمثيله في صوت، أو في كيفية إيصاله من شخص إلى آخر، أو حتى فيهما معاً، فإن ثمّة شيئاً حيوياً قد استُخلِص: إنهم الناس أنفسهم، إنهم حاضرون دوماً في ما يقولون، وفي الفهم الذي يبنونه على ما يقوله غيرهم. إن هويّتهم تتأصّل في صوتهم، ويكون ذلك ملفوظاً، أو مكتوباً، أو موقّعاًوالأصل الذي بُني عليه هذا التصور الخاص بوعي الجماعة الكامن في اللغة، يقوم على الأساس الفلسفي الذي يقعّد لطبيعة العلاقة بين الدال والمدلول ومحاولة الربط بينهما؛ وهي محاولة « ليست سهلة ولا آلية ولا حتمية، فهي تمر عبر الزمان والمكان الإنسانيين، وهي علاقة تبدأ في عقل الإنسان وقلبه…وتنتهي في عقل الإنسان وقلبه…فثمة مسافة طويلة من الأحلام والأوهام والرغبات والأهواء والأفكار والمصالح تفصل بين الدال والمدلول... ولابد من الاختيار بين عدد لا حصر له من الدال للإخبار عن مدلول مركّب متشابك مع عدد لا حصر له من المدلولات. وعملية الاختيار تعني إبقاء وتأكيد واستبعاد وتهميش، اختيار أو تأكيد لمعنى، واستبعاد أو تهميش لآخر، واختيار أو تأكيد لدال، واستبعاد أو تهميش لآخر، أي أنه لا يوجد تلاقٍ آلي أو تلاحُمٍ ضروري وعضوي بين الدال والمدلول، وإنما هناك حتمية الاختيار أو الاجتهاد الإنساني، في محاولة مزاوجة الدوال بالمدلولات، وهي عملية تتضمّن قدراً من التحيّز لدال على حساب آخر، ولجانب من المدلول على حساب جانب آخر». فإذا كان الدال هو الرمز اللغوي، والمدلول هو المعنى الذي يدل عليه فلابد من الإشارة _ كما هو معروف_ إلى أن هذا المعنى لا يتطابق تمام المطابقة مع الموضوع الواقعي المتعيّن الذي يُفتَرَض أن يمثله، بل هو ينقل وجهة نظر الجماعة التي صكته تجاه هذا الموضوع المتعيّن وموقفها منه، ولذلك فإن ثمة مسافة بين الدال والمدلول هي المسافة التي يقع فيها تحيز الجماعة الثقافية، وليست هذه المسافة من الاتساع بحيث يتم الافتراق بينهما على نحو نهائي، كما أنها ليست من القرب بحيث يتحدانإن مثل هذه المقدمات التي تؤسس لطبيعة العلاقة بين الدال والمدلول داخل اللغة والفكر تؤدي إلى نتيجة حتمية، وقاعدة أساسية مفادُها أن كل لغة تحمل في طياتها _بوعي متكلميها أو بغير وعيهم_ موقف الجماعة التي صكتها أو الأمة التي تمثلها، أي إنها تحمل هويتهم المميزة التي تعكس موقفهم من العالم. وكل اللغات في هذا الأمر سواء، بائدها وقائمها. وليست العربية بمنأى عن هذه اللغات، مما يعني أنها هي أيضاً تحمل في بنيتها هوية الجماعة التي تعبر عنها؛ أي الهوية العربية-الإسلاميةوتفترض هذه الدراسة أن بنية الهوية العربية الإسلامية وبنية اللغة العربية كلاهما قائم على نظام معياري، مما سينبني عليه أن العربية وحدها قادرة على تمثيل الهوية الإسلامية دون باقي اللغات الإنسانية. فإذا كان الأمر كذلك بدا من الضروري الأخذ بعين الاعتبار هذه النتائج أثناء وضع السياسات اللغوية للمجتمعات والدول العربية لما لذلك من أثر في تهديد هويتها وانتمائها
Hamad bin Khalifa University Press (HBKU Press)
Title: معيارية العربية معيار الهوية
Description:
تتفق الدراسات الحديثة المتعلقة باللغة على اختلاف أنساقها المعرفية؛ اللسانية والإثنية والأنثروبولوجية والثقافية، على أن اللغة الإنسانية ليست كائناً فارغاً، وليست أداةً محايدة أو قوالبَ مصمتةً خاليةً من أي مواقف خاصة، بل هي مظهر من مظاهرِ الوعي تَجَسَّدَ لغةً؛ فإذا كانت الوظيفتان الأساسيتان لِلّغة هما التمثيل والتواصل فإن التحيّزات تسري فيهما معاً، فلا يستقيم تمثيل العالم من دون موقفٍ منه، أو وجهة نظر، أو زاوية رؤية، وهذه كلها بوابات مُشرعة للهويّات _ على أساس أن جوهر الهوية وجودُ موقفٍ متميّز من العالم.
يُضاف إلى ذلك أن التواصل مع الآخرين سيستعمل أداة التمثيل نفسها: اللغة، وبكلام آخر: “إذا اختُزِل استعمال الناس للغة _بطريقة تحليلية_ في كيفية تشكيل المعنى وتمثيله في صوت، أو في كيفية إيصاله من شخص إلى آخر، أو حتى فيهما معاً، فإن ثمّة شيئاً حيوياً قد استُخلِص: إنهم الناس أنفسهم، إنهم حاضرون دوماً في ما يقولون، وفي الفهم الذي يبنونه على ما يقوله غيرهم.
إن هويّتهم تتأصّل في صوتهم، ويكون ذلك ملفوظاً، أو مكتوباً، أو موقّعاًوالأصل الذي بُني عليه هذا التصور الخاص بوعي الجماعة الكامن في اللغة، يقوم على الأساس الفلسفي الذي يقعّد لطبيعة العلاقة بين الدال والمدلول ومحاولة الربط بينهما؛ وهي محاولة « ليست سهلة ولا آلية ولا حتمية، فهي تمر عبر الزمان والمكان الإنسانيين، وهي علاقة تبدأ في عقل الإنسان وقلبه…وتنتهي في عقل الإنسان وقلبه…فثمة مسافة طويلة من الأحلام والأوهام والرغبات والأهواء والأفكار والمصالح تفصل بين الدال والمدلول.
ولابد من الاختيار بين عدد لا حصر له من الدال للإخبار عن مدلول مركّب متشابك مع عدد لا حصر له من المدلولات.
وعملية الاختيار تعني إبقاء وتأكيد واستبعاد وتهميش، اختيار أو تأكيد لمعنى، واستبعاد أو تهميش لآخر، واختيار أو تأكيد لدال، واستبعاد أو تهميش لآخر، أي أنه لا يوجد تلاقٍ آلي أو تلاحُمٍ ضروري وعضوي بين الدال والمدلول، وإنما هناك حتمية الاختيار أو الاجتهاد الإنساني، في محاولة مزاوجة الدوال بالمدلولات، وهي عملية تتضمّن قدراً من التحيّز لدال على حساب آخر، ولجانب من المدلول على حساب جانب آخر».
فإذا كان الدال هو الرمز اللغوي، والمدلول هو المعنى الذي يدل عليه فلابد من الإشارة _ كما هو معروف_ إلى أن هذا المعنى لا يتطابق تمام المطابقة مع الموضوع الواقعي المتعيّن الذي يُفتَرَض أن يمثله، بل هو ينقل وجهة نظر الجماعة التي صكته تجاه هذا الموضوع المتعيّن وموقفها منه، ولذلك فإن ثمة مسافة بين الدال والمدلول هي المسافة التي يقع فيها تحيز الجماعة الثقافية، وليست هذه المسافة من الاتساع بحيث يتم الافتراق بينهما على نحو نهائي، كما أنها ليست من القرب بحيث يتحدانإن مثل هذه المقدمات التي تؤسس لطبيعة العلاقة بين الدال والمدلول داخل اللغة والفكر تؤدي إلى نتيجة حتمية، وقاعدة أساسية مفادُها أن كل لغة تحمل في طياتها _بوعي متكلميها أو بغير وعيهم_ موقف الجماعة التي صكتها أو الأمة التي تمثلها، أي إنها تحمل هويتهم المميزة التي تعكس موقفهم من العالم.
وكل اللغات في هذا الأمر سواء، بائدها وقائمها.
وليست العربية بمنأى عن هذه اللغات، مما يعني أنها هي أيضاً تحمل في بنيتها هوية الجماعة التي تعبر عنها؛ أي الهوية العربية-الإسلاميةوتفترض هذه الدراسة أن بنية الهوية العربية الإسلامية وبنية اللغة العربية كلاهما قائم على نظام معياري، مما سينبني عليه أن العربية وحدها قادرة على تمثيل الهوية الإسلامية دون باقي اللغات الإنسانية.
فإذا كان الأمر كذلك بدا من الضروري الأخذ بعين الاعتبار هذه النتائج أثناء وضع السياسات اللغوية للمجتمعات والدول العربية لما لذلك من أثر في تهديد هويتها وانتمائها.
Related Results
Analisis Kontrastif Struktur Kalimat Bahasa Arab dan Bahasa Bugis
Analisis Kontrastif Struktur Kalimat Bahasa Arab dan Bahasa Bugis
هذه الأطروحة تبحث عن تحليل التقابلى فى تركيب جمل اللغة العربية و اللغة البوغيسية ، خاصة في أنماط و أنواع جمل اللغة العربية و اللغة البوغيسية. هذه الأطروحة تهدف إلى: 1) وصف أنماط...
الأمن العربي
الأمن العربي
تناول هذا الكتابُ الأمنَ العربي من حيث مقوِّمات تحقيقه ومعوِّقاته، رغبةً في تقديم مؤشِّرات عامَّة حول المهدِّدات الأمنيَّة التي تحيط بالوطن العربي؛ موضِّحًا مصادرها المحليَّة والخا...
ظواهر اللغة العربية والصعوبات التي يواجهها الناطقون بغيرها
ظواهر اللغة العربية والصعوبات التي يواجهها الناطقون بغيرها
اللغة هي ذاتية للحضارة وكذلك اللغة العربية. لقد لعبت العربية منذ فترة طويلة دورها في الحضارة الإنسانية. وحاليا، بذلت الأمم المتحدة باللغة العربية كواحدة من اللغات العالمية الرئيسية...
المصادر المهمة في دراسة اللهجات العربية
المصادر المهمة في دراسة اللهجات العربية
يحتاج دراسة علم اللهجات العربية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى إلى الكثير من النظر والتثبت والغوص في تراثنا اللغوي الذي تناوله الكثير من المستشرقين الغربيين بالدراسة و...
التعريب فى اللغة العربية بين المشجعين والمنكرين
التعريب فى اللغة العربية بين المشجعين والمنكرين
Bahasa Arab sebagaimana bahasa- bahasa lain tidak dapat mempertahankan seluruh kosakatanya dan makna klasiknya sama seperti pada zaman dan lingkungan awal bahasa itu di Negeri Hij...
معجم أهم مصطلحات الجرائم السيبرانية والأدلة الرقمية
معجم أهم مصطلحات الجرائم السيبرانية والأدلة الرقمية
انطلاقًا من تعزيز العمل الأمني العربي المشترك، أصدرت «جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية» معجمًا مُتَخَصِّصًا في مصطلحات الجرائم السيبرانية والأدلة الرقمية؛ ليكون مرجعًا استرشاديًّا...
استعجال تعلم اللغة العربية: منظور المجتمع الإندونيسي
استعجال تعلم اللغة العربية: منظور المجتمع الإندونيسي
تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة تعلم اللغة العربية وفقًا للمجتمع الإندونيسي. تكشف هذه الدراسة عن الظواهر في مجال تعلم اللغة العربية. تعتبر اللغة أداة قوية للدخول في جوانب مختلفة ، ولكن...
اليوتيوب كوسيلة لتعليم اللغة العربية
اليوتيوب كوسيلة لتعليم اللغة العربية
ABSTRACTThe world of education, especially the process of learning like Arabic, has changed a lot due to technology development and globalization. YouTube, as one of the most popul...

